محمد جمال الدين القاسمي
240
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
و روى البخاريّ عن أبي سعيد الخدريّ قال : كنا في مسير لنا فنزلنا ، فجاءت جارية فقالت : إن سيد الحيّ سليم ، وإن نفرنا غيب ، فهل منكم راق ؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية . فرقاه ، فبرأ ، فأمر له بثلاثين شاة ، وسقانا لبنا ، فلما رجع قلنا له : أكنت تحسن رقية ، أو كنت ترقى ؟ قال : لا ، ما رقيت إلا بأم الكتاب . قلنا : لا تحدثوا شيئا حتى نأتي ، أو نسأل ، النبي صلى اللّه عليه وسلّم . فلما قدمنا المدينة ، ذكرناه للنبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال : « وما كان يدريه أنها رقية ؟ اقسموا واضربوا لي بسهم » « 1 » . وهكذا رواه مسلم وأبو داود . وفي بعض روايات مسلم : أن أبا سعيد الخدريّ هو الذي رقى ذلك السليم - يعني اللديغ ، يسمونه بذلك تفاؤلا - . و روى مسلم والنسائيّ عن ابن عباس قال : بينما جبريل قاعد عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم سمع نقيضا من فوقه ، فرفع فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم . فنزل منه ملك . فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم . فسلّم وقال : أبشر بنورين قد أوتيتهما ، لم يؤتهما نبيّ قبلك ، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ، لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته « 2 » . و روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم قال « من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ( ثلاثا ) غير تمام » « 3 » فقيل لأبي هريرة : إنا نكون وراء الإمام . فقال : اقرأ بها في نفسك ، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول : « قال الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، قال الله ، حمدني عبدي ، وإذا قال : الرحمن الرحيم ، قال الله تعالى : أثنى عليّ عبدي ، وإذا قال : مالك يوم الدين ، قال مجدني عبدي - وقال مرّة فوّض إليّ عبدي - فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، قال : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل » . ويكفي من شرح الفاتحة هذا المقدار الجليل ، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : فضائل القرآن ، باب فاتحة الكتاب . ( 2 ) أخرجه مسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث 254 . ( 3 ) أخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث 38 .